Wednesday, July 27, 2011

For my mother

يا حبيبي!
أنا لم أرق لهجرك الدمع، ولا جافيت لعتبك المضجع، ولا تركت من أجلك لذيذ الطعام، ولكن إنتشلني التفكير فيك حتى أسكرني، وأسهرني الهم عندك حتى إستمال قلبي، فهل شافعي القيام بهذا حتى التقصير في ذاك؟ وهل أنتِ مسعفة نفسك بسعادتها؟ وسعادتك بإبتسامتها؟ وقطرات دموعك بفرحها؟
هل أراكِ سعيدة؟ بهيجة؟ بصحة وعافية؟
هل هلّ مدمعكِ لأجلي في يوم؟ أو هل جافيتي مضجعك بعاقبة التفكير بي أواخـر الليالي والصبح والعشي والإبكار؟
أرجوكِ لا تفعلي.. فأنتِ أجدر من ذلك بكثيــر. أتعلمين لماذا؟
تجلبين ترانيم السعادة لي في كل مرة أتفكر فيها بك، وأسند همومي إليك، وأستطعم الحنان منك، وأرى سعادتي فيك، وهدوء غضبي عندك، وسدول أستار مشاكلي بك، فأنتي الستار، والدفء، والحنان، والحب، والشوق، والأبدية..
أنتي - يا من فاقني وصفها - أبدية المعنى ..
نعم والذي خلق الجمال وخلقك، أنك أبدية المعنى، حينما أتفكر فيك، تتفتح أبواب المشاعر في وجهي، تنهل علي كالرشاش البارد المنعش الخفيف، والبرد الذي يُثلج حرارة قلبي، وشوق لقائي بك، فأنتي أبدية المشاعر، طيبتك لا تنضب، ورؤيتك لا تنتهي ما دُمتي حية..
يقولون بأن الجسم يحتوي أنظمة، وأن الأنظمة من أعضاء، والأعضاء أغشية، والأغشية خلايا..
ماذا عساني أقول لهم؟ فأنتي الخلية ونواتها، والعضو وأغشيته، والجهاز وأعضائه، والأجهزة وأنظمتها..

سيلٌ من الأخلاق .. جبالٌ من الحب، إشعاع من الحنان.

لا يُهمني تأتأتك بالكلام، فأنتِ من علمني الكلام، ولا يُهمني رأي الغير فيك، لأنك صانعة آرآئي وكياني وملكوت شوقي وهذياني..

أنا -فعلاً- غريب، ولكنك أمامي سماء لا تغيب.
أنا -فعلاً- بعيد، ولكنك أمامي هوائي ومتنفسي القريب.

إستيقظت ذات مرة لأقضي حوائجَ الدنيا القصيرة، إستقضبتني وألحّّت عليّ المروج الخضراء إلا أن أتفكر فيك، فوقفت صامدًا مُقبلاً وجهي قِبَلَ السماء، وقفتُ صامدًا لا أريد التفكير، لكنني أصررت على عكس ذلك. فالإرادة ليست كالرغبة ..
قلت لنفسي، والله لأمكننها من أمانيها، وأحققن لها أحلامها، وأفرش أرضها كرستالاً أبيض وزبرجدًا أحمرًا وبنفسجيّ، ولأنيرنّ ظلام لياليها بنور ذكرياتها، ولأنصبنّ قصرها من قيمها وأخلاقها، ولأجعلنّ ماضيها يتراقص أمامها كالحسنة العذراء، وموسيقى الشوق الشرقية، وآلآت التقريب الفلسفية تُعزف لها، وتهتز لها أشجار الزيتون الأخضر، والخوخ الأحمر، والعنب الأسود.
ثم فُقت من غيبتي، وقلت في نفسي:
اللهم يا مالك الملك، ياخالق حبيبتي وخالق الجمال، ومكوّنًا ملامحها وأشراف المنال، أرزقها جنات النعيم، وأنعمها في الخلد مع الرسول الأميّ الكريم، وأجمعني بها، وبـ أمها وبـ زوجها وبـ أولادها وبـ أحفادها في جناتك يا أكرم الأكرمين..
اللهم وإذا أنعمت علينا بجنانك، فاجعلي لي وقتًا مُخصصًا أحكي لها عصارة هذه الرسالة، وأجعلني متمكنًا لما تخيلته لها على تلك المروج الخضراء.
فهي حبيبتي، ومعلمتي، وأمي، وأختي، وعمتي، وخالتي، وجدتي. هيَ جوهرة حياتي، وعقد رقبتي، وألوان كُراستي، ونظريات كتابي، وكل ما قيس في حياتي..

أرجوكِ، لا تشغلي بالكِ من كتب هذه الرسالة، دعيها إلى وقتها الذي أتمنى أن يحلّ عليك وأنتِ دائمًا -وأبدًا- سعيدة ..
إحتفظي بها، إقرأيها عدة مرات، متتالية بعدة قراءات، تخيلي ملامحي عليها، وأرسمي بكلماتها عيوني، وبأنغامها أذناي ووجهي. لا تُبقي فيها معنى إلا وقرأته، يا

أبدية المعاني ..

المُخلص...

مُشتاق .